فيينا.. قطعة من الجنة

ثمة مدن تلتصق بها الروحُ، ولا تكاد تغادرها أبداً. تخال نفسك وكأنك قد عشت فيها من قبل على وجه من الوجوه، أو سكنتْ وجدانك قبل أن تلقاك بأحضانها. فأنت فيها من أهلها، ومن بعض معالمها، أو ذكرياتك التي تستحضرها، حتى وإن لم تصنعها نفسُك. كلُ بلدِ وطنُ أهلهِ، إلا بعض المدائن، فهي، كالحبيبات، وطنُ عشاقها، وإن تباينت الألسن، وتعددت الأعراق…كما هو الحال مع الحبيبة فيينا.

مإ إن حطت بنا الطائرة في مطار فيينا الدولي حتى تبدت لنا معالم مدينة آسرة، مدينة يتزاوج فيها الماضي والحاضر بكل تفاصيله الدقيقة، أوابد وأضرحة على مد النظر. إنه فصل الربيع هنا، وها هي أشعة الشمس الخجولة تتخطر بحياء شديد على واجهات المباني الأثرية التي يصدح جلها بإبداعات القرن الثامن عشر.

فيينا

لم نشعر بعناء السفر، فالتنقل على متن عملاق بحجم طائرة الـBoing 777 من طيران الإمارات كفيل بتحمل ذلك العناء. كانت السيارة التي ستقلنا من المطار تتأهب لاستقبالنا وهدير محركها يتصاعد في الآفاق. ما هي لحظات قليلة، حتى انطلقت بنا السيارة وبدأنا نخط السير بتؤدة لافتة نحو فندق  “قصر هانسن كمبينسكي فيينا” Palais Hansen Kempinski، إلى حيث ستحط بنا الرحال.

كانت ملامح المدينة تتضح لنا شيئاً فشيئاً، تلك المدينة الأسطورية التي ما فتئت تتدثر بأمجاد بناتها الأوائل. فنمضي منها إلى حيث يرتفع صرح يستعير بعضاً أو كلاً من ألق مدينة تمعن في محاصرتي بفتنتها. إنه قصر “هانسن كمبينسكي فيينا” الذي يقبع بموقع متميز، مباشرة على شارع Ringstraße الشهير في قلب العاصمة النمساوية، وتحديداً بجوار البورصة العتيقة، مشكلاً بذلك نقطة انطلاق مثالية لكل من السياح ورجال الأعمال على السواء. وتبعاً للمراجع التاريخية، فقد شيد “قصر هانسن كمبينسكي فيينا” في العام 1873 خصيصاً لاستقبال المعرض العالمي. يزخر هذا الفندق الفاخر بــ 152 غرفة وجناح فخم، بالإضافة إلى مطعمين اثنين وثلاث حانات تتضمن حانة ليلية وقاعة استراحة خاصة بتدخين السيجار.

المدينة الفضلى من حيث جودة المعيشة

يقطن فيينا زهاء 1.7 مليون نسمة، وهي عاشر أكبر مدينة من حيث عدد السكان في الاتحاد الأوروبي. معظم سكان فيينا يتكلمون اللغة الألمانية. ولقد اختيرت فيينا للمرة الثانية وفقاً لتقرير مؤسسة “ميرسر” كأفضل مدينة في العالم من حيث مستويات جودة المعيشة، وذلك في العام 2009- 2010.

فيينا- 05

حدائق غناء على مد النظر

تشكل المتنزهات والحدائق والغابات ما نسبته 50 % من المساحة الإجمالية لفيينا. أما أكبر المتنزهات في المدينة وأكثرها شهرة، فهو متنزه “براتر” الأشبه بـ”سنترال بارك” في نيويورك. يمتاز هذا المتنزه بضخامته ويقع في مركز المدينة، وتحديداً في المنطقة الثانية، حيث يتألف من جزأين اثنين، الأول يحتوي على حدائق وطرقات لممارسة رياضة المشي، والثاني هو متنزه ترفيهي خاص بأفراد العائلة. ويحتوي هذا الأخير على أفعوانيات ودولاب “فيريس” الهوائي العملاق، الذي يتيح مشاهدة المدينة بأسرها عبر إطلالات مذهلة من علو قد يصل إلى 200 قدم.

منطقة الـ”رِنغ بوليفارد”  

في نهاية القرن التاسع عشر تم تحويل شارع الــ”رينغ” الدائري من سور للمدينة إلى مبانٍ ضخمةٌ تعد بلا ريب تحفاً فنية معمارية، كمبنى الأوبرا ومتحف تاريخ الفن. وإذ يضم شارع الـ”رنغ” اليوم الكثير من المعالم المهمة كالبرلمان، مبنى البلدية، المتحف الوطني وجامعة فيينا، فقد أضحى الوجهة المفضلة لدى الكثير من مرتادي هذه المدينة الساحرة.

وسط المدينة القديم

هو مركز فيينا الحيوي، وتشتمل هذه المنطقة على كثير من مباني المدينة التاريخية والمعالم الحضارية. كما تضم أماكن خاصة بالتسوق تزهو بطرازها الرفيع. وتقف في قلب المدينة القديمة كاثدرائية “القديس ستيفان” التي تمثل إعجازاً معمارياً وفنياً فريداً. وهناك أيضاً يقع قصر “هوفبيرغ”، الذي يتكون من مبانٍ حديثة وهياكل تنتمي إلى العصور الوسطى. يغص القصر بغرف ملكية، إلى جانب مكتبة إمبراطورية ومتاحف متعددة ومدرسة خاصة بركوب الجياد الإسبانية.

فيينا- 06

القصر الملكي الهوفبورغ في فيينا

ظل القصر الملكي والذي يعرف بـ Imperial Palace/Hofburg مقراً لحكام مملكة “الهابسبورغ” لأكثر من 700 سنة. كان القصر، قبل إقامة عائلة “الهابسبورغ” فيه حتى العام 1918، قلعة تعود إلى القرن الثالث عشر. وإبان استيلاء “الهابسبورغ” على الحكم وتوسيع أرجاء إمبراطوريتهم، تم تحويل القلعة إلى مقر بهي لا ينفك يلفت الأنظار إليه في كل وقت وحين. حالياً، “الهوفبورغ” هو المقر الرسمي لرئيس الجمهورية، ومركز مؤتمرات، وأيضاً مقراً لعدد لا يحصى من المجموعات الفنية.

مدرسة الفروسية الإمبراطورية

مدرسة الفروسية الإمبراطورية Riding school هي المؤسسة الوحيدة  في العالم، ومقرها العاصمة النمساوية فيينا، التي حافظت على فن الفروسية الأصيل منذ عصر النهضة Spanische Hofreitschule وحتى يومنا هذا، وما زالت ترعاه بعناية بالغة. عروض قل نظيرها تقدمها أحصنة “الليبتزانر”، وهي تتمايل بدقة لامتناهية على أنغام الموسيقى.

دار الأوبر في فيينا

دار الأوبرا Staatsoper في فيينا هي واحدة من أهم دور الأوبرا في العالم، لما تقدمه من عروض تخطف الأبصار وتسلب العقول. تتغير عروض المسرح يومياً، إذ يقدم المسرح العريق ما يربو على 50 عرض أوبرا و20 عمل باليه على مدار 285 يوماً من السنة، مما يضع دار أوبرا فيينا في مقدمة عروض الأوبرا العالمية.

41026

حي المتاحف

يضم حي المتاحف MuseumsQuartier أعمالاً وتحفاً تؤرخ للفن الحديث والمعاصر. وهو فوق ذلك يصنف ضمن أكبر عشر مساحات ثقافية في العالم. تختلط في هذا الحي المباني التي تحاكي  الطراز الباروكي مع فن العمارة الحديثة مشكلة بذلك صورة فنية قل نظيرها.

قصر بيلفيدير

يضمُّ قصر “بيلفيدير” Belvedere Palast اللوحة الأسطورية المسماة “القبلة” للرسام “غوستاف كليمت”، وكذلك أعمالاً فنية كبيرة لــ”شيلي” و”كوكوشكا”. وإذ بني القصر ليكون بمثابة مقر صيفي خاص بالأمير “يوجين” من سافوي، فقد كان حينذاك قابعاً خارج بوابات المدينة. تتألفُ هذه التحفة المعمارية الباروكية من قصرين اثنين هما قصر “بيلفيدير” العلوي و”بيلفيدير” السفلي، وهما يزخران اليوم بطيف واسع من مختلف الفنون النمساوية بدءاً من العصور الوسطى وحتى يومنا هذا.

فيينا- قصر الشونبرون

قصر الشونبرون

يعتبر قصر الشونبرون Schönnbrunn Palace، المقر الصيفي السابق لعائلة القيصر النمساوية، من أجمل قصور الباروك في أوروبا. كان هذا القصر في غابر الزمان منزلاً خاصاً بالإمبراطورة الشهيرة إليزابيث، زوجة الإمبراطور “فرانس جوزيف”، والتي كانت تلقب بـ “سيسي”. وكانت “سيسي” قد دأبت منذ العام 1865 على تزيين شعرها بعدد من الدبابيس والمشابك المصنوعة من المجوهرات الثمينة على شكل نجوم صغيرة ترصّها بطول ضفيرتها، وكان عندها 27 من تلك النجوم. تتألف المنطقة من القصر الباروكيّ، وكذلك من متنزه فاتنٍ وبيتِ نخيلٍ زجاجيّ وحديقة حيوانات. حديقة الحيوانات تلك هي الأقدم في العالم وما تزال واحدة من أكثر وجهات الجذب السياحيِّ شعبيةً في أوروبا. لقد أعلنت المنطقة كلّها إرثاً ثقافياً عالمياً من قبل منظمة اليونسكو بسبب أهمّيتها التاريخية ومساحاتها الفريدة. يحتوي القصر على 1441 غرفة، يمكن للزائر زيارة 45 منها.

أبرز المطاعم في فيينا

يعشق الكثير من النمساويين تناول الفطائر الشهية في أكشاك الفطائر التي تُدعى “كوند تورين”، ولعل أبرز المقاهي والمطاعم في المدينة يتمثل في:

مقهى ومطعم ديميل

تُعزى شهرة مطعم ومقهى ديميل إلى تشكيلة الكعك الواسعة والمتنوعة التي يقدمها لمرتاديه على مدار الساعة، ولعل أشهرها على الإطلاق فطيرة التفاح، والتي يطلق عليها اسم “الستروديل”.

فيينا- 03

مطعم فابيانو

يقدم مطعم فابيانو مختلف الأطباق الإيطالية الشهية كالبيتزا والحساء والباستا، وجميعها بأسعار منخفضة. ولعل ما يميز هذا المطعم تحضير الوجبات  فيه على مرأى  من الزبائن.

سلام براو

يقدم مطعم “سلام براو” وجبات شهية من المطبخ النمساوي. وتتميز وجباته بحجمها الكبير وجودتها العالية. يقع المطعم داخل مساحة صغيرة صممت على نحو يحاكي تصميم البيوت ليضفي حميمية خاصة على المكان. يغلب على الأجواء هناك الطابع المحلي التقليدي، والذي يصدح بسمات خاصة تحمل في طياتها عبق التراث النمساوي بكل تفاصيله الدقيقة. وفي أي مطعم من هذه المطاعم تصبح كل وليمة طقساً من طقوس نبل تاريخي أخاذ تشي بها تارة مظاهر البذخ في التصميم، وطوراً موائد تعمر بطيب أطباق يبدع في توليفها كبار الطهاة ألواناً ومذاقات ترقى بالحواس إلى مستوى فريد من الإمتاع، لتثمل النفس، إذ ذاك بجرعة إضافية من ذاك الترف الموعود.

فيينا- 04

آخر الكلام

قليلة هي المدن التي تزيد على الضيافة وكرمها فنوناً من الإبداع الذي يجمع حاضراً جميلاً إلى تاريخ من الثقافة والعمارة والعبق الذي يملأ  الفضاءات نشوة واستمتاعاً. وإذ يبسط الليل جناحيه فوق فيينا تتزاحم على مخيلتي صور نبلاء وأرستقراطيين يترجلون من عربات تجرها جياد أخال أني أسمع وقع حوافرها في البعيد، وسيدات يرفلن بمعاطف من فراء وأثواب ملكية في حفيفها الراقص بعض رومانسية تتواطأ على حواسي. هناك مقولة مفادها: “قد تعشق الأذن قبل العين أحياناً”، لكن في حالة فيينا تأبى الحواس مجتمعة إلا أن تقع في حبها منذ اللحظة الأولى التي تطأ فيها أقدامنا هذه المدينة الرائعة. لا ريب سيزيد جمال الترحاب هنا باباً آخر من المتعة، وقد انغمست النفس جذلانة في جمال الطبيعة وعمارة المكان.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More