لكزس إل سي 500 لا تهتم بالخرائط، ولا تتبع الخوارزميات. ليست الأسرع، ولا الأرخص، ولا الأذكى. ولكنها تنبض روحاً وتزأر تمرداً. باهظة؟ نعم. تستحق؟ أكثر مما تظن!
صارت السيارات كلها تشبه بعضها. لا تعدو كونها وسائل مواصلات تمضي بك، غالباً، إلى حيث لا تريد. ولكن “إن خِليتْ خِربتْ” كما يُقال. ولحسن الحظ هناك ثائرون مثلي في هذا العالم لا يحبون الالتزام بالنص دائماً. ولحسن الحظ أكثر أنهم موجودون في مجال هندسة السيارات وتصميمها وصناعتها. غير أني بصراحةٍ لم أتوقع أبداً أن تكون لكزس محط حديثي في هذا الشأن.
لكزس، تلك الشركة اليابانية المنبثقة عن تويوتا العريقة التي لطالما تصدرت قوائم المبيعات ومؤشرات الجودة والاعتمادية، واتسمت تصاميمها بالحذر وتوفير أعلى مستويات الرتابة والضجر. لكزس التي تحبّ الصمت أكثر مما يحبّه الأحرار في المعتقلات والمثقفون في المكتبات، في العادة تصنع سيارات كأنها بلا ماضٍ ولا شهوات. هادئة كالمقابر. مستقرة كموظف حكومي في دائرة شؤون المتقاعدين في بلد اسكندنافي.
ثم خرجت لنا فجأة “إل سي 500” (LC500)! وزأرت بأعلى محركها: “أنا الخطأ الضروري. أنا السيارة التي لن تُنقذ البيئة، لكنها قد تُنقذك أنت من العدم”!
لا أدري من في لكزس الذي استيقظ في الصباح، شرب قهوته مرّة، ثم قرّر أن يضرب بكل معايير الشركة عرض الحائط، ويُلقي بكل أبحاث السوق وتوصيات حماة الكوكب في سلة القمامة، ويمضي قدماً في إنتاج هذه الفخامة.
لا تخضع لكزس “إل سي 500” لأي منطق اليوم. متمردة. لا تسمع الكلام. وكأنها تقول للعالم: “لا آبه لأحكامكم، أريد أن أعبّر عن شخصيتي بطريقتي!”
خللٌ جميل في عالم يدّعي المثالية
تحت غطاء محركها يجثو وحشٌ ثماني الأسطوانات بسعة خمس لترات، يولّد قوة جبارة تصل إلى 471 حصانًا ليست للركض، بل للعصيان. تحتاج 4.4 ثوان لبلوغ سرعة 100 كلم، لكنها لا تتسابق مع أحد. تسير وحدها بخيلاء ولا تخفي سرورها بأنها تلفت الأنظار وتحرّك المشاعر حيث ما حلّت.
قالوا لي: إنها من لكزس! ضحكت. لكزس؟ تلك التي تصنع سيارات بلا صوت، بلا ملامح، كأنها طوابير موظفين تغادر الوزارة في تمام الثالثة ظهراً.
هذه بالتأكيد، ليست منهم. اسم العائلة لا يهمّ. صوتها يخترق الشوارع كأغنية ممنوعة، كمكالمة هاتفية من حبيب قديم.
ما هذه السيارة بالضبط؟ لا هي سوبركار، ولا هي غراند تورر، ولا سيارة عضلات بالمعنى التقليدي. هي مزيج من كل ذلك، وليست كذلك. لعلها جاءت فقط بغية الخروج عن التصنيف، والتقييم السخيف.
تُشبه حلماً صغيراً لصانع سيارات ياباني شغوف بسيط أراد أن يطير، فصنع مقوداً يطير به حماسةً دون إقلاع.
قالوا لي: هي لا تنافس تسلا. قلت: ولماذا يجب أن تنافس؟ لماذا نطلب من الشاعر أن يكون عداءً؟ ومن الحلم أن يحمل بطاقة هوية؟
نعيشُ في عصر الحسابات الدقيقة والموازين الخوارزمية. كل شيء محسوب، حتى دموعنا لها ميزانية.
هذه السيارة لا تريد أن تسبق أحداً. ولا تشبه شيئًا مما نعرف. كالعطر تفوح فجأةً وتربكك، ثم تختفي تاركة أثرها فيك.
لا تهمّها تسلا ولا يهمها الكوكب. تريدُ كسر الجليد، والتمرد على الواقع البليد. تريدُ أن تثور على عصرٍ يكره الأصوات، ويحبُّ الأرقام، ويؤمن بالإيميل أكثر من الشعر.
ذكرنا ما لها، فما عليها؟
صندوقها الخلفي عديم الوظيفة تقريباً، بالكاد يتسع لخيبة سفر قصيرة.
نظام الترفيه فيها (infotainment) متخلف، يعود بك عشرين سنة إلى الوراء. لكن من قال إن هذه السيارة تحتاج الخرائط ونظام التتبع عبر الأقمار الاصطناعية (GPS)! الخرائط للذين لا يعرفون الطريق. أما هي، فتريدك أن تنسى أنك تملك هاتفًا أو اتصالاً أو وجهة. فقط قُد، وانسَ العالم!
تشرب الوقود كناقةٍ حطّت قافلتها بعد طول سفر، ولكن عن استحقاقٍ لا عن بطر. تبتلع البنزين ابتلاعاً، لا شراهةً ولا طمعاً، وإنما لعيبٍ مصنعي وُلدت به وتفخر به.
سعرها باهظ، نعم. قرابة المئة ألف دولار أميركي. وكأنها لا تُباع، بل تُفدى. ولكن في زمنٍ تُصنع فيه السيارات في غرف الاجتماعات، وتُكتب أسماؤها في خانات الإكسل، تأتيك “إل سي 500” ككائن ميكانيكي لا يتكرر. ومع اسم “لكزس” على جبينها، وما يحمله من سمعة وقيمة وثقة واعتمادية، ربما يصبح السعر أقل وطأة وأكثر منطقية، لا سيما بالمقارنة مع غيرها.



