كيف يمكن إنقاذ المحتوى العربي في وسائل الإعلام من الدمار الشامل الذي حلّ به؟

في ظل الضعف الشديد الذي بات يكتنف المحتوى العربي من كل حدب وصوب في مختلف وسائل الإعلام والمحتوى المنبثق عن شركات العلاقات العامة، سواء على صعيد الاستخدام الصحيح والناجع لمختلف التراكيب اللفظية واللغوية، أم من حيث البنية التحريرية للنص وافتقاره إلى أبسط الأساسيات المطلوبة في هذا الإطار في مرحلة يتوق فيها الناشئة للمعرفة، تبرز الحاجة إلى تبني استراتيجيات واضحة للارتقاء بالقدرات الإعلامية واللغوية في هذا المجال وإصلاح الخلل الحاصل قبل أن يستفحل الأمر ويصعب تصويبه.

فالألفاظ ليست مجرّد حروف متضامّة أو مجرّدة، وإنّما تحمل معانيَ، وتكتسب طبعًا دلالاتها المتعدّدة من خلال السّياق الذي تمر فيه. وهذا ما يسمى الفهم التّقويميّ أو النّاقد، وهو المستوى الأخير من مستويات الفهم القرائي، بعد مستوى الفهم الاستنتاجي، الذي يحتل الموقع الثاني بعد المستوى الأول وهو مستوى الفهم الحرفي.

ومن هنا يتعين على القائمين على المحتوى العربي، مع اتّساع ثقافتهم وتنامي خبراتهم، أن يهدفوا في عمليّة تعلّمهم تلك إلى أسرار لغتنا ومظان الجمال فيها، مفرداتها وجملها وتعابيرها، التي هي أساس التّحليل وأهمّ منطلقاته. إذ إنّ كسبهم اللغويَّ بات يتطلّب إعمال عقولهم في الظّواهر اللغويّة وتطوير قدراتهم  موّظفين مخزونهم اللغويَّ المكتسب وملكاتهم المحصَّلة، سماعًا ومحادثةً وقراءةً وكتابةً، في إنشاء محتوى متكامل بأبعاده الرئيسة التي ما لها من مناص.

إذ لم تعد اللغة عملية تصويت وتهجئة والوقوف عند معاني بعض المفردات بهدف إغناء مخزون المحررين والإعلاميين اللغوي فحسب، بل غدت عملية أكثر تعقيدًا، فالفهم القرائيّ عمليّة عقليّة تتطلب عددًا من العمليات الفكرية والمهارات اللغوية.

ولا ريب أن الإعلام على اختلاف وسائله ووسائطه يُعدّ المحرك الرئيس لمختلف الحواس الكامنة والظاهرة، حيث أن مختلف النصوص الإعلامية تُبنى على أساس الحوارات المفعمة بالمعاني والمفاهيم بمجمل مناحيها التعليمية والترفيهية والتثقيفية.

وبما أننا جميعاً نتحدث عن خطط  للانتقال نحو مجتمع المعلومات وأهمية الابتكار في تأسيسه، فلا أقل من أن نرتقي بالمعرفة اللغوية التي لا غنى عنها في كل مناحي الحياة.

ولعل المحتوى العربي القادم من شركات العلاقات العامة بوجه خاص ينطوي على مشاكل لغوية وتحريرية جمة لا يسبر غورها، ويفتقر إلى أبسط المعايير اللغوية والتحريرية المعمول بها في هذا الإطار، ومرد ذلك في الغالب إلى عوامل عدة لا ريب أبرزها يتمثل في إيكال مهمة الترجمة والتحرير إلى أشخاص غير متخصصين. إذ إن الترجمة تضر بالمتلقي حينما لا تحاكي الأصل في جميع مكنوناته، بما أن ذلك يأتي على حساب المحتوى. ومن هنا يقتضي الأمر إيكال المهمة لخبراء أكفاء يحظون بكفاءة ومهارة في الوقت عينه، هذا فضلاً عن إخضاع فريق الترجمة والتحرير لديهم إلى دورات مستمرة، وإلى عملية صقل وسبر دائم لمعرفتهم اللغوية، وذلك منعاً لارتكاب أخطاء وأخطار بحق قطاعات ثقافية واقتصادية وسياسية عدة.

كما أن الخطب الجلل في هذا المقام أيضاً يكمن في حقيقة  أن الناشئة بوجه عام تتلقى كل ما يقدم لها عبر مختلف المنصات الإعلامية التي تغص بثلة من البرامج والمسلسلات والإعلانات التجارية التي تختلط فيها اللغة بصور متناقضة عدة، الأمر الذي من شأنه أن يثخن جراحات المحتوى العربي ويجهز عليه كما لم يجهز على أحد من قبل.

وفي نهاية المطاف، يمكنني اختزال ما أتيت على ذكره للتو  من خلال التأكيد على ضرورة  العمل على تطوير استراتيجيات المعرفة اللغوية وتعلمها وتوظيف التقنيات الحديثة وتطويعها لصالح ردم الهوة الحاصلة في هذا الإطار ورأب التصدعات التي أصابت كل جزء فيها، وذلك بغية الارتقاء بمستوى المحتوى الإعلامي العربي أسوة بنظيره الانجليزي، ولا مناص من الاستعانة بالخبرات النادرة جداً في هذا المجال لتحقيق المرام قبل فوات الأوان!

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More